فخر الدين الرازي
190
تفسير الرازي
المسألة الأولى : * ( السكينة ) * فعيلة من السكون ، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم ، نحو : القضية والبقية والعزيمة . المسألة الثانية : اختلفوا في السكينة ، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئاً حاصلاً في التابوت أو ما كان كذلك . والقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم ، فإنه قال : * ( آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ) * أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، وتزول نفرتكم عنه ، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية . وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً في التابوت ، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة والثالث : قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر . القول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم . واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار : * ( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) * ( الفتح : 26 ) فكذا قوله تعالى : * ( فيه سكينة من ربكم ) * معناه الأمن والسكون . واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله : * ( فيه سكينة ) * يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله : * ( وبقية مما ترك آل موسى ) * فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفاً للسكينة . والجواب عن الأول : أن كلمة * ( في ) * كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام : " في النفس المؤمنة مائة من الإبل " وقال : " في خمس من الإبل شاة " أي بسببه فقوله في هذه الآية : * ( فيه سكينة ) * أي بسببه تحصل السكينة . والجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما .